ابن قيم الجوزية
684
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وأمّا العلة التي ذكرها في الشوق : فقد تقدم أن من الناس من جعل « الشوق » في حال اللقاء أكمل منه في حال المغيب . فعلى قول هؤلاء : لا علة فيه . وأما من جعله سفر القلب إلى المحبوب في حال غيبته عنه ، فعلى قوله : يجيء كلام المصنف ، ووجهه مفهوم . وقوله « فإن مذهب هذه الطائفة » - الذي هو الفناء - يريد : أن الفناء إنما قام على المشاهدة ، فإن بدايته - كما قرره هو - المحبة التي هي نهاية مقامات المريدين . والفناء : إنما يكون مع المشاهدة . ومع المشاهدة لا عمل للشوق . فيقال : هذا باطل من وجوه : أحدها : أن المشاهدة لا تزيل الشوق ، بل تزيده ، كما تقدم . الثاني : أنه لا مشاهدة أكمل من مشاهدة أهل الجنة . وهم إلى يوم المزيد - وهو يوم الجمعة - أشوق شيء ، كما في الحديث . وكذلك هم أشوق شيء إلى رؤية ربهم ، وسماع كلامه تعالى . وهم في الجنة فإن هذا إنما يحصل لهم في حال دون حال . كما في حديث ابن عمر المسند وغيره « إن أعلى أهل الجنة منزلة : من ينظر إلى وجه ربه كل يوم مرتين » . ومعلوم قطعا : أن شوق هذا إلى الرؤية قبل حصولها : أعظم شوق يقدر ، وحصول المشاهدة لأهل الجنة : أتم منها لأهل الدنيا . الثالث : أنه لا سبيل في الدنيا إلى مشاهدة تزيل الشوق البتة . ومن ادعى هذا فقد كذب وافترى . فإنه لم يحصل هذا لموسى بن عمران . كليم الرحمن عز وجل ، فضلا عمن دونه . فما هذه المشاهدة التي مبني مذهب هذه الطائفة عليها ، بحيث لا يكون معها شوق ؟ أهي كمال المشاهدة عيانا وجهرة ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم . أم نوع من مشاهدة القلب لمعروفه ، مع اقترانها بالحجب الكثيرة التي لا يحصيها إلا اللّه ؟ . فهل تمنع هذه المشاهدة الشوق إلى كمالها وتمامها ؟ . وهل الأمر إلا بالعكس في العقل والفطرة والحقيقة . لأن من شاهد محبوبه من بعض الوجوه . كان شوقه إلى كمال مشاهدته أشد وأعظم . وتكون تلك المشاهدة الجزئية سببا لاشتياقه إلى كمالها وتمامها . فأين العلة في الشوق ؟ وأين المشاهدة المانعة من الشوق ؟ . وهذا بحمد اللّه ظاهر . ومن نازع فيه كان مكابرا . واللّه أعلم . درجات الشوق قال : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : شوق العابد إلى الجنة ، ليأمن الخائف . ويفرح الحزين . ويظفر الآمل » . يعني : شوق العابد إلى الجنة فيه هذه الحكم الثلاث : أحدها : حصول الأمن الباعث على الأمل . فإن الخوف المجرد عن الأمن من كل وجه ، لا ينبعث صاحبه لعمل البتة ، إن لم يقارنه أمل . فإن تجرد عنه قطع وصار قنوطا . الثاني : فرح الحزين . فإن الحزن المجرد أيضا إن لم يقترن به الفرح قتل صاحبه . فلو لا روح الفرح لتعطلت قوى الحزين . وقعد حزنه به ، ولكن إذا قعد به الحزن : قام به روح الفرح .